فخر الدين الرازي
429
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
[ في قوله تعالى وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ إلى قوله فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ ] اعلم أنهم لما طرحوا يوسف في الجب رجعوا إلى أبيهم وقت العشاء باكين ورواه ابن جني / عشا بضم العين والقصر وقال : عشوا من البكاء فعند ذلك فزع يعقوب وقال : هل أصابكم في غنمكم شيء ؟ قالوا : لا قال : فما فعل يوسف ؟ قالوا : ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ فبكى وصاح وقال : أين القميص ؟ فطرحه على وجهه حتى تخضب وجهه من دم القميص ، وروي أن امرأة تحاكمت إلى شريح فبكت فقال الشعبي : يا أبا أمية ما تراها تبكي ؟ قال : قد جاء إخوة يوسف يبكون وهم ظلمة كذبة لا ينبغي للإنسان أن يقضي إلا بالحق ، واختلفوا في معنى الاستباق قال الزجاج : يسابق بعضهم بعضا في الرمي ، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام : « لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر » يعني بالنصل الرمي ، وأصل السبق في الرمي بالسهم هو أن يرمي اثنان ليتبين أيهما يكون أسبق سهما وأبعد غلوة ، ثم يوصف المتراميان بذلك فيقال : استبقا وتسابقا إذا فعلا ذلك ليتبين أيهما أسبق سهما ويدل على صحة هذا التفسير ما روي أن في قراءة عبد اللَّه إنا ذهبنا ننتضل . والقول الثاني : في تفسير الاستباق ما قاله السدي ومقاتل : نَسْتَبِقُ نشتد ونعدو ليتبين أينا أسرع عدوا . فإن قيل : كيف جاز أن يستبقوا وهم رجال بالغون وهذا من فعل الصبيان ؟ قلنا : الاستباق منهم كان مثل الاستباق في الخيل وكانوا يجربون بذلك أنفسهم ويدربونها على العدو ولأنه كالآلة لهم في محاربة العدو ومدافعة الذئب إذا اختلس الشاة وقوله : فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ قيل أكل الذئب يوسف وقيل عرضوا وأرادوا أكل الذئب المتاع ، والوجه هو الأول . ثم قالوا : وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ وفيه مسائل : المسألة الأولى : ليس المعنى أن يعقوب عليه السلام لا يصدق من يعلم أنه صادق ، بل المعنى لو كنا عندك من أهل الثقة والصدق لاتهمتنا في يوسف لشدة محبتك إياه ولظننت أنا قد كذبنا والحاصل أنا وإن كنا صادقين لكنك لا تصدقنا لأنك تتهمنا . وقيل : المعنى : إنا وإن كنا صادقين فإنك لا تصدقنا لأنه لم تظهر عندك أمارة تدل على صدقنا . المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الإيمان في أصل اللغة عبارة عن التصديق ، لأن المراد من قوله : وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا أي بمصدق ، وإذا ثبت أن الأمر كذلك في أصل اللغة وجب أن يبقى في عرف الشرع كذلك ، وقد سبق الاستقصاء فيه في أول سورة البقرة في تفسير قوله : الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [ البقرة : 3 ] . ثم قال تعالى : وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ وفيه مسائل : المسألة الأولى : إنما جاءوا بهذا القميص الملطخ بالدم ليوهم كونهم صادقين في مقالتهم . قيل : ذبحوا جديا ولطخوا ذلك القميص بدمه . قال القاضي : ولعل غرضهم في نزع قميصه عند إلقائه في غيابة الجب أن يفعلوا هذا توكيدا لصدقهم ، لأنه يبعد أن يفعلوا ذلك طمعا في نفس القميص ولا بد في المعصية من أن يقرن بهذا الخذلان ، فلو خرقوه مع لطخه بالدم لكان الإيهام أقوى ، فلما شاهد يعقوب القميص صحيحا علم كذبهم . المسألة الثانية : قوله : وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ أي وجاءوا فوق قميصه بدم كما يقال : جاءوا على جمالهم بأحمال .